‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلاميات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلاميات. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 23 يونيو 2013

فضائل شهر شعبان

 

 بسم الله.. الحمد لله الّذي خلق المكان والزّمان، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّدٍ الّذي أكثر من الصّيام في شعبان، وعلى آله وصحبه وكل من اعتصم بالقرآن.. وبعد

فضائل شهر شعبان
عطية من عطايا الكريم المنان


عن أسامه بن زيد -رضي الله عنهما- قال: قلت يا رسول الله، لم أراك تصوم شهرًا من الشّهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهرٌ يغفل النّاس عنه بين رجب ورمضان وهو شهرٌ ترفع فيه الأعمال إلى ربّ العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» [حسنه الألباني 4/103 في إرواء الغليل].

لماذا سمي شعبان؟

شعبان هو اسم للشهر، وسمَّي بذلك لأنّ العرب كانوا يتشعبون فيه (أي يتفرقون) لطلب المياه، وقيل تشعُّبهم في الغارات، وقيل لأنّه شعب (أي ظهر) بين شهري رجب ورمضان، ويُجمعُ على شعبانات وشعابين.

كثرة صيامه -صلّى الله عليه وسلّم- في شعبان:

لما كان شعبان كالمقدمة لرمضان، فحسن أن يكون فيه شيءٌ مما يكون في رمضان من صيامٍ.
عن أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت:
«كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- استكمل صيام شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» [البخاري 1969].

وعنها أيضًا -رضي الله تعالى عنها- قالت: «كان أحب الشّهور إلى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان» [رواه أبو داود 2431 والنّسائي 2349 وصححه الألباني].
قال الإمام ابن حجر -رحمه الله تعالى-: "في الحديث دليل على فضل الصّوم في شعبان"
(بلوغ المرام).

وقال الإمام ابن رجب -رحمه الله تعالى-: "وأما صيام النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- من أشهر السّنّة فكان يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشّهور" (لطائف المعارف).

وقال الإمام الصّنعاني -رحمه الله تعالى-: "وفيه دليلٌ على أنه يخص شعبان بالصّوم أكثر من غيره" (سبل السّلام).

الحكمة في إكثاره -صلّى الله عليه وسلّم الصّيام في شعبان:

عن أسامه بن زيد -رضي الله تعالى عنهما- قال: قلت يا رسول الله، لم ارك تصوم شهراً من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال : «ذاك شهرٌ يغفل النّاس عنه بين رجب ورمضان وهو شهرٌ يرفع فيه الأعمال إلى ربّ العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» [حسنه الألباني 4/103 في إرواء الغليل].
1- أفضل الصّيام بعد رمضان أيام شهر الله الحرام (محرم).
3- كان -عليه الصّلاة والسّلام- يصوم في أيام شعبان ما لا يصوم في غيره من الشّهور.
3- باقي أيام الشّهور في الأفضلية سواءً إلا ما ورده فيه نص كصيام يوم عرفة وعاشوراء وشوَّال. إلخ



قال الإمام ابن رجب -رحمه الله تعالى- في بيان حكمة الصيام في شعبان: "وفيه معانٍ وقد ذكر منها النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه لما اكتنفه شهران عظيمان: الشّهر الحرام (رجب) وشهر الصيام (رمضان)، أشتغل النّاس بهما عنه، فصار مغفولًا عنه. وكثير من الناس يظنّ أنّ صيام رجب أفضل من صيام شعبان؛ لأنه شهر حرام، ولس كذلك" (لطائف المعارف).

الإعجاز العلمي في صيام شعبان

لقد ثبت علميًّا أنّ الجسم في أيام الصّوم الأولى يبدأ باستهلاك مخزونه الاحتياطيّ من الدّهون والبروتينات وغيرها (لتعويض النّقص الحاصل بسبب تقليل الطّعام) فينتج عن ذلك سموم تتدفق في الدّم (هرمون الأدرينالين)، قبل أن يتخلص منه الجسم مع الفضلات، مما يؤدي إلى شعور الصّائم ببعض الأعراض: كالصداع والوهن وسرعة الغضب وتغيُّر المزاج وقد يشتم ويسب.. إلخ ممّا قد يضطرّه لأن يترك الصّيام أحيانًا. وهذه الأعراض تزول بعد أن تعود نسب الهرمونات إلى وضعها الطّبيعيّ في الدّم خلال أيام من بدء الصّوم -بإذن الله تعالى- (وهذا ملاحظ لدى الصّائمين).
فصيام شعبان (المسنون) كالتّمرين على صيام رمضان (المفروض)، حتى لا يدخل المسلم في صوم رمضان على مشقةٍ وكلفةٍ ... والله -سبحانه وتعالى- أعلم.


الصّيام في آخر شعبان

عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- (حافظ السّنّة، وحبيب المؤمنين) عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: «لا تقدموا رمضان بصوم يومٍ ولا يومين. إلا رجل كان يصوم صوماً، فليصمه» [رواه مسلم 1082]. ومثال من له عادةً: أن يكون المسلم محافظ على صيام يومي الإثنين والخميس مثلًا، فلا بأس بصيامهما.
كما نهى -صلّى الله عليه وسلّم- عن صيام (يوم الشّكّ) وهو يوم الثلاثين من شعبان إلا أن يوافق عادته في الصّيام.

من بدع ليلة النّصف من شعبان:

1- الاحتفال بليلة النّصف من شعبان بأيِّ شكلٍ من أشكال الاحتفال، سواءً بالاجتماع على عبادات أو إنشاد القصائد والمدائح، أو بالإطعام واعتقاد أن ذلك سنّةٌ واردةٌ.

2- صلاة الألفيَّة (في تلك الليلة) وتسمى أيضًا صلاة البراءة.

3-كذلك صلاة أربع عشرة ركعة أو اثنتي عشرة ركعة أو ست ركعات فيها.

4- تخصيص صلاة العشاء في ليلة النصف من شعبان بقراءة سورة يس، أو بقراءة بعض السّور بعدد مخصص كسورة الإخلاص، أو تخصيصها بدعاءٍ يسمى دعاء ليلة النّصف من شعبان، وربما شرطوا القبول هذا الدّعاء قراءة سورة يس أو صلاة ركعتين قبله. وكذلك تخصيصها بالصّوم، أو التّصدق، أو اعتقاد أنّ ليلة النّصف من شعبان مثل ليلة القدر في الفضل...


حكم الاحتفال بليلة النّصف من شعبان؟


سئل الشّيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- عن ليلة النّصف من شعبان؟ وهل لها صلاة خاصة؟

فأجاب: ليلة النّصف من شعبان ليس فيها حديث صحيح. وكل الأحاديث الواردة فيها ضعيفة أو موضوعة لا أصل لها، وهي ليلة ليس لها خصوصية، لا قراءة ولا صلاة خاصّة ولا جماعة... وما قاله بعض العلماء أنّ لها خصوصية فهو قولٌ ضعيفٌ، فلا يجوز أن تخصّ بشيءٍ.. هذا هو الصّواب، وبالله التوفيق. انتهى.
(الفتاوى. ج.1).


مركز وذكر
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الاثنين، 18 مارس 2013

لماذا أدعو الله فلا يستجيب لي؟؟

ستأخذ خيرا يناسبك ليس بمقاييسك ولكن بمقاييس من يجيب دعوتك 

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}.

في هذه الآية أسرار ومعان عظيمة لنتدارسها معا..

إن المؤمن الحق يدرك أن لا ملجأ من الله تعالى إلا إليه، وفي هذه الآية الكريمة يؤكد الحق -عز وجلّ- أنه قريب من عباده يجيب دعاءهم ويلبي نجواهم.

وقد روي أن إعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}.

ويقول -صلى الله عليه وسلم- عن رب العزة: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني".

وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن الله تعالى ليستحيي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرا فيردهما خائبتين".

وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجّل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها"، قالوا: إذن نُكثر. قال: "الله أكثر".

ويقول الشيخ الشعراوي في تفسير هذه الآية إن الحق حين يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}؛ فالعباد الذين التزموا لله بالمنهج الإيماني لن يسألوا الله بشيء يتنافى مع الإيمان وتكاليفه.

والحق يقول: {فليستجيبوا لي}؛ لأن الدعاء يطلب جواباً، وما دمت تطلب إجابة الدعاء فتأدّب مع ربك؛ فهو سبحانه قد دعاك إلى منهجه، فاستجب له إن كنت تحب أن يستجيب الله لك..

وبعد ذلك يتكلم الحق -سبحانه وتعالى- في كلمة "الداعِ" ولا يتركها مطلقة، بل يقول: "إذا دعان"؛ لأن الإنسان قد يتجه بالدعوة إلى غير القادر على الإجابة، أي يتجه بها لغير الله تعالى، وفي هذه الحالة لا يكون الله تعالى مسئولا عن إجابة دعوته.

والأصل في الدعاء أن الإنسان يحبّ الخير، ولكنك قد تخطئ الطريق إلى فهم الخير أو الوسيلة إلى الخير، لذلك قد تكون إجابة الله تعالى على الدعاء بمنع إجابة الدعوة إن كانت لا تصادف الخير بالنسبة لك، وهذا معنى قوله تعالى: {فليؤمنوا بي}، ولذلك يجب ألا نفهم أنه حين لا تجاب دعواتنا كما رجونا وطلبنا أن الله لم يستجب لنا، فيقول الداعي: لماذا لم يستجب الله لي؟ لا لقد استجاب لك، ولكنه نحّى عنك حمق الدعوة أو ما تجهل بأنه شرّ لك.

فالذي ندعوه رب حكيم؛ فيقول سأعطيك الخير، والخير الذي أعلمه أنا فوق الخير الذي تعلمه أنت، ولذلك فمن الخير لك ألا تجاب لك هذه الدعوة.

والعلماء يقولون: إن الدعاء إن قصدت به الذلة والعبودية يكون جميلا، أما الإجابة فهي إرادة الله، وأنت إن قدّرت حظّك من الدعاء في الإجابة عليه فأنت لا تقدّر الأمر. إن حظك من الدعاء هو العبادة والذلة لله؛ لأنك لا تدعو إلا إذا اعتقدت أن أسبابك كبشر لا تقدر على الإجابة، ولذلك سألت من يقدر عليها، وسألت من يملك، ولذلك يقول الله في الحديث القدسي: "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".

لذا فليس كل من يسأل يُستجاب له بسؤاله نفسه؛ لأن الألوهية تقتضي الحكمة التي تعطي كل صاحب دعوة خيراً يناسب الداعي لا بمقاييسه هو ولكن بمقاييس من يجيب الدعوة.

ويذيّل الحقّ الآية بقول: "لعلهم يرشدون"، فما معنى "يرشدون"؟ إنه يعني الوصول إلى طريق الخير وإلى طريق الصواب.

رزقنا الله الرشاد وألهمنا الدعاء والأدب مع الله وحسن الإيمان به وجميل التوكل عليه.. قولوا آمين.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

لابد أن تنجح في امتحانات الله حتى تكون قويا

المهم أن ينجح المؤمن في كل هذه الابتلاءات ليواجه الحياة صلبا 

{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].
خُلق الإنسان في كبد.. هكذا يصفنا الله تعالى في كتابه الكريم، والأصل أن الدنيا هي دار الابتلاءات، وفي هذه الآية الكريمة رصد لعدد من الابتلاءات التي يختبر الله تعالى بها عباده.

ففي تفسير ابن كثير ذكر أن قوله تعالى: "ولنبلونكم" أي ولنختبرنكم يا أمة محمد واللام لجواب القسم تقديره والله لنبلونكم، والابتلاء من الله لإظهار المطيع من العاصي لا ليعلم شيئا لم يكن عالما به سبحانه.

أما "بشيء من الخوف" فيعني خوف العدو، "والجوع" يعني القحط، "ونقص من الأموال" يشير إلى  خسران وهلاك هذه الأموال.

أما نقص الأنفس فيعني بالقتل والموت وقيل بالمرض والشيب، والثمرات يعني الجوائح في الثمار، وحكي عن الشافعي أنه قال: الخوف خوف الله تعالى، والجوع صيام رمضان، ونقص من الأموال أداء الزكاة والصدقات، والأنفس الأمراض، والثمرات موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة قلبه.

ويقول الشيخ الشعراوي -رحمة الله عليه- إنه يجب أن نعرف أن مجرد الابتلاء ليس شرا، ولكن الشر هو أن تسقط في الابتلاء، فكل ابتلاء هو اختبار وامتحان.

والحق سبحانه قد ذكر لنا قبل هذه الآية قمة الابتلاءات؛ وهي أن ينال الإنسان الاستشهاد في سبيل الله، وذكر ثواب الشهيد، وهو البقاء على هيئة من الحياة عند ربه، فقمة الابتلاء -في حدود إدراكنا- هي فقد الحياة، وأراد الحق أن يعطي المؤمنين مناعة فيما دون الحياة، مناعة من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وكل ما دون حياة الفرد هو أمر ترَفي بالنسبة لفقد الحياة نفسها، فمن لم يفقد حياته فستأتي له ابتلاءات فيما دون حياته.

وأول تلك الابتلاءات هو الخوف، والخوف هو انزعاج النفس وعدم اطمئنانها من توقع شيء ضارّ.

والذي يخاف من الخوف يقال له: إن خوفك وانزعاجك لن يمنع الخوف، فآفة الناس أنهم يعيشون في المصائب قبل وقوعها، وهم بذلك يطيلون على أنفسهم أمد المصائب، إن المصيبة قد تأتي -مثلا- بعد شهر، فلماذا تطيل من عمر المصيبة بالتوجس منها والرهبة من مواجهتها؟ إنك لو تركتها إلى أن تقع تكون قد قصّرت مسافتها، ولك أن تعرف أن الحق -سبحانه وتعالى- ساعة تأتي المصيبة فهو برحمته يُنزل معها اللطف، فكأنك إن عشت في المصيبة قبل أن تقع، فأنت تعيش في المصيبة وحدها معزولة عن اللطف المصاحب لها، لكن لو ظللت صابراً محتسباً قادراً على مواجهة أي أمر صعب، فأنت لن تعيش في المصيبة دون اللطف.

أما الإبتلاء الثاني فهو الجوع وهو شهوة غالبة إلى الطعام، وهو ضروري لاستبقاء الحياة، ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى بالإنسان يحتفظ بالغذاء الزائد على صورة شحم ولحم، وحين يجوع ولا يجد طعاماً، فهو يأخذ من هذا الشحم، فإذا انتهى الشحم، فهو يأخذ من اللحم، وإذا انتهى اللحم يأخذ الجسم غذاءه من العظم، من أجل أن يستبقي الإنسان الحياة.

إذن فابتلاء الجوع هو أن تصبر على الضروري من الطعام الذي يقيم لك الحياة، وأنت تأكله كوقود لحركة الحياة، ولا تأكله للذة، وحين يقتات الإنسان ليضمن لنفسه وقود الحياة فأي طعام يكفيه.. ولذلك شرع الله الصوم لنصبر على أذى الجوع؛ لأن المؤمنين قد تضطرهم معركة ما لأن يعيشوا فيها ساعات طويلة دون طعام، فإن لم يكونوا مدرّبين على تحمّل قسط من الجوع فسيخورون ويتعبون، إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يعد المؤمن إعدادا كافيا كاملا، فالمؤمن يواجه الخوف فيستعدّ، ويواجه الجوع فيأخذ من قوت الحياة بقدر الضرورة.

وأما الابتلاء الثالث وهو نقص الأموال فمصدره أن المؤمنين سينشغلون عن حياتهم بأمر الدعوة، وإذا ما شغلوا عن حركة الحياة لمواجهة العدو فسيضطرون إلى التضحية بحركة الحياة التي تنتج المال ولذلك تنقص الأموال؛ لأن حركتهم في الحياة توجّهت إلى مقاومة خصوم الله، وكذلك سيواجهون العدو مقاتلين؛ وقد يستشهد منهم عدد.

وأخيرا يواجهون نقص الثمرات، والثمرات هي الغاية من كل عمل، والحق سبحانه وتعالى حين يعدّنا هذا الإعداد، فإذا نجحنا فيه تكون لنا البشرى؛ لأننا صبرنا على كل هذه المنغّصات: صبر على الخوف، صبر على الجوع، وصبر على نقص الأموال، وصبر على نقص الأنفس، وصبر على نقص الثمرات.

إذن فالمهم أن ينجح المؤمن في كل هذه الابتلاءات؛ حتى يواجه الحياة صلبا؛ ويواجه الحياة قويا، ويعلم أن الحياة معبر، ولا يشغله المعبر عن الغاية.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

هؤلاء شهدوا لمحمد وهم ليسوا على دينه

فولتير: الذين يسبّون محمدا عليه الصلاة والسلام لا يستحقّون الحياة 


إن رسول الله أعظم البشر على الإطلاق، ولهذا سوف نسجّل شهادة عدد من أدباء ومفكّري الغرب بمحمد صلى الله عليه وسلم، لا افتخارا بثنائهم عليه فهو النبي الأعظم، ولكن اعترافا بفضله وتقديرا له حتى عند مَن لم يؤمن برسالته:

شهادة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم
سأل المسور بن مخرمة خاله أبا جهل عن حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم إذ قال: "يا خالي هل كنتم تتهمون محمدا بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال: يا ابن أختي والله لقد كان محمد فينا وهو شاب يُدعى الأمين فما جرّبنا عليه كذبا قط قال: يا خال فما لكم لا تتبعونه؟ قال: يا بن أختي تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف؛ فأطعموا وأطعمنا وسقوا وسقينا وأجاروا وأجرنا حتى إذا تجاثينا (أي جلسنا على الركب للخصومة) كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي فمتى ندرك مثل هذه؟".

وقال الأخنس بن شريق يوم بدر لأبي جهل: "يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا فقال أبو جهل: ويحك والله إن محمد لصادق وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة؛ فماذا يكون لسائر قريش؟".


شهادة غير المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم
فولتير (كاتب فرنسي وفيلسوف)

قال عن أعظم الخلق: "أكبر سلاح استعمله المسلمون لبثّ الدعوة الإسلامية هو اتصافهم بالشيم العالية؛ اقتداءً بالنبي محمد".

وقال أيضا: "فجمال الشريعة الإسلامية وبساطة قواعدها الأصلية جذبَا إلى الدين المحمدي أمما كثيرة، والذين لا يقرأون التاريخ الإسلامي لا يستحقّون الاحترام، والذين يسبّون محمدا عليه الصلاة والسلام لا يستحقون الحياة".


مهاتما غاندي (السياسي البارز والزعيم الروحي للهند خلال حركة استقلال الهند)
"أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك دون نزاع قلوب ملايين البشر.. لقد أصبحت مقتنعا كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته.. هذه الصفات هي التي مهّدت الطريق، وتخطّت المصاعب وليس السيف، بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول وجدت نفسي أسفا لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على حياته العظيمة".
الدكتور شبرك النمساوي
"إنّ البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها، إذ إنّه رغم أُمّيته، استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أنْ يأتي بتشريع، سنكونُ نحنُ الأوروبيين أسعد ما نكون، إذا توصلنا إلى قمّته".

جوستاف لوبون (طبيب ومؤرّخ فرنسي)
"جمع محمد صلى الله عليه وسلم قبل وفاته كلمة العرب، وبنى منهم أمة واحدة خاضعة لدين واحد مطيعة لزعيم واحد، فكانت في ذلك آيته الكبرى، ومما لا ريب فيه أن محمدا صلى الله عليه وسلم أصاب في بلاد العرب نتائج لم تصب مثلها جميع الديانات التي ظهرت قبل الإسلام؛ ومنها اليهودية والنصرانية، ولذلك كان فضله على العرب عظيما".

وقال عنه أيضا: "إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل أعمالهم كان محمد صلى الله عليه وسلم من أعظم مَن عرفهم التاريخ، وقد أخذ علماء الغرب ينصفون محمدا صلى الله عليه وسلم مع أن التعصّب الديني أعمى بصائر مؤرخين كثيرين عن الاعتراف بفضله".


هنري ماسيه (مستشرق فرنسي)
"كان محمد صلى الله عليه وسلم هو المشرّع الملهم والمحرّك الأول للوحدة الدينية بين جميع الأقوام، وكان بسيطا وحازما".
البروفيسور مونتيه
"إن طبيعة محمد صلى الله عليه وسلم الدينية تدهش كل باحث مدقّق نزيه المقصد بما يتجلّى فيها من شدة الإخلاص؛ فقد كان محمد مصلحا دينيا ذا عقيدة راسخة، ولم يقُم إلا بعد أن تأمّل كثيرا وبلغ سن الكمال بهذه الدعوة العظيمة التي جعلته من أسطع الأنوار الإنسانية في الدين".

ويقول عنه أيضا: "كان محمد صلى الله عليه وسلم كريم الأخلاق حسن العشرة، عذب الحديث، صحيح الحكم صادق اللفظ، وقد كانت الصفات الغالبة عليه هي صحة الحكم وصراحة اللفظ، والاقتناع التام بما يعمله ويقوله".

"لا مجال للشك في إخلاص الرسول صلى الله عليه وسلم وحماسته الدينية التي تشبّعت بها نفسه وفكره..".

الفيزيائي الأمريكي الدكتور مايكل هارت (صاحب كتاب الخالدون المائة)

"إن اختياري لمحمد صلى الله عليه وسلم ليكون رأس القائمة التي تضمّ الأشخاص الذين كان لهم أعظم تأثير عالمي في مختلف المجالات، ربما أدهش كثيرا من القراء، ولكن في اعتقادي أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والدنيوي".

"لقد أسس محمد صلى الله عليه وسلم ونشر أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح أحد الزعماء العالميين السياسيين العظام؛ ففي هذه الأيام وبعد مرور ثلاثة عشر قرنا تقريبا على وفاته؛ فإن تأثيره لا يزال قويا وعارما".

اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الأحد، 10 مارس 2013

فضل العلم وشرف أهله

 
 
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه وأمينه على وحيه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وأصحابه ، ومن سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.. أما بعد :
فهذه كلمة موجزة في : (فضل العلم ، وشرف أهله). لقد دلت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على فضل العلم والتفقه في الدين ، وما يترتب على ذلك من الخير العظيم والأجر الجزيل ، والذكر الجميل ، والعاقبة الحميدة لمن أصلح الله نيته ، ومن عليه بالتوفيق.
والنصوص في هذا كثيرة معلومة ، ويكفي في شرف العلم وأهله أن الله عز وجل استشهدهم على وحدانيته ، وأخبر أنهم هم الذين يخشونه على الحقيقة والكمال. قال تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[1] فاستشهد الملائكة وأولي العلم على وحدانيته سبحانه ، وهم العلماء بالله ، العلماء بدينه ، الذين يخشونه سبحانه ويراقبونه ، ويقفون عند حدوده ، كما قال الله عز وجل : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ[2]
ومعلوم أن كل مسلم يخشى الله ، وكل مؤمن يخشى الله ، ولكن الخشية الكاملة إنما هي لأهل العلم ، وعلى رأسهم الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ثم من يليهم من العلماء على طبقاتهم.
فالعلماء هم ورثة الأنبياء ، فالخشية لله حق ، والخشية الكاملة إنما هي من أهل العلم بالله والبصيرة به ، وبأسمائه ، وصفاته ، وعظيم حقه سبحانه وتعالى ، وأرفع الناس في ذلك هم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ثم يليهم أهل العلم على اختلاف طبقاتهم في علمهم بالله ودينه. والجدير بالعالم أينما كان ، وبطالب العلم ، أن يعنى بهذا الأمر ، وأن يخشى الله ، وأن يراقبه في كل أموره ، في طلبه للعلم ، وفي عمله بالعلم ، وفي نشره للعلم ، وفي كل ما يلزمه من حق الله ، وحق عباده.
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين في حديث معاوية رضي الله عنه ، أنه صلى الله عليه وسلم قال :
((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) وهذا الحديث العظيم له شواهد أخرى ، عن عدة من الصحابة رضي الله عنهم ، وهو يدل على أن من علامات الخير ودلائل السعادة ، أن يفقه العبد في دين الله ، وكل طالب مخلص في أي جامعة أو معهد علمي أو غيرهما ، إنما يريد هذا الفقه ويطلبه ، وينشده ، فنسأل الله لهم في ذلك التوفيق والهداية وبلوغ الغاية.
ومن أعرض عن الفقه في الدين فذلك من العلامات على أن الله ما أراد به الخير ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه :
((إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به فعلِم وعلّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به))
فالعلماء الذين وفقوا لحمل هذا العلم طبقتان : إحداهما حصّلت العلم ووفقت للعمل به ، والتفقه فيه ، واستنبطت منه الأحكام ، فصاروا حفاظا وفقهاء ، نقلوا العلم وعلموه الناس وفقهوهم فيه ، وبصروهم ونفعوهم ، فهم ما بين معلم ومقرئ ، وما بين داعٍ إلى الله عز وجل ، ومدرس للعلم ... إلى غير ذلك من وجوه التعليم والتفقيه.
أما الطبقة الثانية فهم الذين حفظوه ونقلوه لمن فجّر ينابيعه ، واستنبط منه الأحكام ، فصار للطائفتين الأجر العظيم ، والثواب الجزيل ، والنفع العميم للأمة. وأما أكثر الخلق فهم كالقيعان التي لا تمسك ماء ، ولا تنبت كلأ لإعراضهم وغفلتهم وعدم عنايتهم بالعلم.
فالعلماء وطلبة العلم في دور العلم الشرعي على خير عظيم ، وعلى طريق بحمد الله مستقيم ، لمن وفقه الله لإخلاص النية ، والصدق في الطلب. وهنيئا لطلبة العلم الشرعي أن يتفقهوا في دين الله ، وأن يتبصروا فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم ، وأن ينافسوا في ذلك ، وأن يصبروا على ما في ذلك من التعب والمشقة ، فإن العلم لا ينال براحة الجسم ، بل لا بد من الجد والصبر والتعب ، وهذا الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه في أبواب المواقيت من كتاب الصلاة لما ساق عدة أسانيد ذكر فها عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله أنه قال :
(لا ينال العلم براحة الجسم) ، ومقصوده رحمه الله من هذا التنبيه على أن تحصيل العلم والتفقه في الدين يحتاج إلى صبر ومثابرة ، وعناية وحفظ للوقت ، مع الإخلاص لله ، وإرادة وجهه سبحانه وتعالى.
والدور العلمية التي يدرس فيها العلم الشرعي ، وهكذا المساجد التي تقام فيها الحلقات العلمية الشرعية ، شأنها عظيم ، وفائدتها كبيرة ، لأنها مهيأة لنفع الناس وحل مشاكلهم. فالمتخرجون فيها يرجى لهم الخير العظيم ، والفائدة الكبيرة ، والنفع العام ، فلا ينبغي لمن منّ الله عليه بالعلم أن ينزوي عن نفع الناس وتفقيههم وتذكيرهم بالله ، وبحقه وحق عباده ، سواء كان ذلك من طريق التدريس أو القضاء أو الوعظ والتذكير ، أو المذاكرة بين الزملاء والإخوان في المجالس العامة والخاصة ، كما ينبغي لأهل العلم أن يشاركوا في نشر العلم عن طريق وسائل الإعلام ، لعظم الفائدة في ذلك ، ووصول العلم إلى ما شاء الله من أنحاء الأرض. ومعلوم ما في ذلك من الخير العظيم ، والنفع العام للمسلمين ، وشدة الحاجة إلى ذلك في هذا العصر ، بل في كل عصر ، ولكن في هذا العصر أشد لقلة العلم. وكرة دعاة الباطل.
فالواجب على من رزق العلم ، أن يتحمل المشقة في نفع الناس به : قضاءً وتدريسا ، ودعوة إلى الله عز وجل ، وفي غير هذا من شئون المسلمين ، حتى تحصل الفائدة الكبيرة ، والثمرة العظيمة من هذا الطلب.
وطالب العلم يطلب العلم لينفع نفسه ، ويخلصها من الجهالة ويتقرب إلى ربه عز وجل بما يرضيه ، على بصيرة وحسن دراية ، ولينفع الناس أيضا ، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ، ويقضي بينهم في مشاكلهم ، ويصلح بينهم ، ويعلم جاهلهم ، ويرشد ضالهم ، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى غير ذلك. فطالب العلم تدخل مهمته في أشياء كثيرة ، ولا تنحصر في أبواب معدودة ، ولا سيما القاضي. فإن القاضي إن وفقه الله وصبر تدخل وظيفته في أشياء كثيرة ، فهو مع العلم محسوب ، ومع القضاة محسوب ، ومع المدرسين محسوب ، ومع أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محسوب ، ومع الدعاة إلى الله عز وجل ، ومع المصلحين ، إلى غير ذلك من شئون المسلمين. فينبغي له أن يهيئ نفسه لذلك ، ويوطنها على تحمل الشدائد ، في سبيل الله ، وأن تكون همته عالية ، كما كان سلفنا الصالح وأئمتنا رحمهم الله جميعا ينفعون الناس بكل ما يستطيعون. وإن وصيتي لأهل العلم وطلبته ، ولكل مسلم ومسلمة ، أن يصبروا في هذا الأمر ، وأن يواصلوا الجهود في سبيل الحق ، وأن يحفظوا الوقت ، وأن يكثروا من المذاكرة بينهم فيما قد يشكل على بعضهم ، حتى يتوافر لديهم من المعلومات ما يحصل به الخير لهم ، وللمسلمين إن شاء الله ، مع الحرص على إصلاح النية والإخلاص في كل ما يتقرب به العبد إلى ربه ، وفي كل ما ينفع الناس. ومن الأمور التي تنفع الناس ، وتحل بها المشاكل ، وينتشر بها العدل توجه أهل العلم والبصيرة والخشية لله سبحانه للقضاء بين الناس وتعليمهم. ومعلوم أن القضاء مما يعظم الله به الأجور ، ويرفع به الدرجات ، لمن أصلح الله نيته ، ومنحه العلم النافع ، وقصد به الخير للمسلمين. وهو وإن كان خطيرا وإن كان سلفنا الصالح يهابونه ، ويخافونه ، ولكن الأحوال تختلف ، والزمان يتفاوت ، والناس اليوم في أشد الضرورة إلى العالم الذي يقضي بين الناس على بصيرة ، ويخاف الله ويراقبه في حل مشاكلهم. فلا ينبغي لمن أهَّله الله للقضاء بين الناس ، ومنحه العلم والبصيرة ، واشتدت إليه الحاجة أن يمتنع عن قبول القضاء ، بل يجب عليه أن يقبله وأن يوطن نفسه على العمل بعلمه ، وأن ينفذ ما أريد منه ، وأن ينفع الناس بعلمه ، ويسأل ربه التوفيق والإعانة فإن عجز بعد ذلك ، ورأى من نفسه أنه لا يستطيع ، أمكنه بعد ذلك أن يعتذر وأن يستقيل. أما من أول وهلة فلا ينبغي له ذلك ، وهذا باب لا ينبغي لأهل العلم والإيمان والقدرة على نفع الناس أن يفتحوه ، بل ينبغي لأهل العلم أن تكون عندهم الهمة العالية والقصد الصالح ، والرغبة في نفع المسلمين ، وحل المشاكل التي تعترض لهم ، حتى لا يتولى ذلك الجهلة. فإنه إذا ذهب أهل العلم تولى الجهلة ولا شك... إما هذا ، وإما هذا ، فلا بد للناس من قضاة يحلون مشاكلهم ، ويحكمون بينهم بالحق ، فإن تولى ذلك الأخيار وإلا تولاه غيرهم. فالواجب على أهل العلم ، وعلى كل من يخشى الله أن يقدر هذا الوضع ، وأن يحتسب الأجر عند الله ، وأن يصبر ويتحمل ويرجو ما عند الله عز وجل من المثوبة ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال ولكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) خرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
وبذا يعلم أهل العلم والإيمان عظم الخطر ، وسوء العاقبة ، إذا فقد علماء الحق ، أو تركوا الميدان لغيرهم. ولا يخفى أن العالم سواء كان قاضيا أو غيره إذا اجتهد فأصاب ، فله أجران ، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلا خطر عليه مع الصدق والإخلاص والتحري للحق ، وإنما الخوف والخطر العظيم على من يتهجم على القضاء أو الفتوى بالجهل ، أو يقضي بالجور ، كما في حديث بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق وقضى به ورجل عرف الحق فجار فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وصححه الحاكم. أما من يتحرى الحق ، ويجتهد في العمل به ، ويتحرى النفع للمسلمين فهو بين أمرين ، بين أجر وأجرين كما تقدم بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم إني أوصي جميع إخواني المسلمين عامة ، وأهل العلم وطلبته بصفة خاصة ، ونفسي بتقوى الله عز وجل في كل الأمور ، والعمل بالعلم بأداء فرائض الله ، والبعد عن محارمه ، لأن طالب العلم قدوة لغيره فيما يأتي ويذر في جميع الأحوال في حال القضاء وغير القضاء ، في طريقه وفي بيته ، وفي اجتماعه بالناس وفي سيارته ، وفي طائرته وفي جميع الأحوال. فهو قدوة في الخير ، عليه أن يراقب الله ويعمل بما علَّمهُ سبحانه ، ويدعو الناس إلى الخير بقوله وعمله جميعا ، حتى يتميز بين الناس ويعرف بعلمه وفضله ، وهديه الصالح ، وسيره على المنهج النبوي الذي سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، رضي الله عنهم ، مع العناية بالتواضع ، وعدم التكبر.
فالعالم وغيره على خطر عظيم ، تارة من جهة الرياء ، وتارة من جهة الكبر ، وتارة من جهات أخرى ، ومقاصد متعددة ، فعليه أن يتقي الله ، ويخلص له العمل ، ويراقب الله سبحانه وتعالى في جميع شئونه ، ويتواضع لعباد الله ، ولا يتكبر عليهم بما أعطاه الله من العلم وحرمه كثيرا من الناس ، فليشكر الله ومن شكر الله التواضع ، وعدم التكبر ، ومن شكر الله نشر العلم في المساجد وفي غير المساجد. فالقاضي يخطب الناس إذا احتيج إليه ، ويدرس طلبة العلم ، ويدعو إلى الله ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويجتهد في إصلاح أحوال المسلمين ، ويتصل بولاة الأمور ويرفع إليهم ما يرى أنه من نصحهم. فيكون دائما في مصالح المسلمين ، وفي كل ما ينفعهم ، وفي كل ما يبرئ ذمته ، ويرفع شأن الإسلام وأهله. وأيضا أوصي إخواني جميعا وعلى رأسهم أهل العلم وطلبته بالقرآن الكريم ، فإنه أعظم كتاب ، وأشرف كتاب ، وقد حوى خير العلوم كلها وأنفعها كما لا يخفى ، وهو أعظم عون بعد الله عز وجل على الفقه في الدين ، والتبصر فيه ، والخشية لله عز وجل ، وهو المعين في التأسي بالأخيار ، فأوصي الجميع ونفسي بهذا الكتاب العظيم ، تدبرا وتعقلا وإكثارا من تلاوته ليلا ونهارا ، والرجوع إليه في كل شيء ، ومراجعة كلام أهل التفسير فيما أشكل ، فهو خير معين على فهم كتاب الله جل وعلا ، لأن هذا الكتاب هو خير كتاب ، وأفضل كتاب وأصدق كتاب ، يقول الله سبحانه :
إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[3] ويقول عز وجل : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ[4] ويقول جل وعلا : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ[5] ويقول سبحانه : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ[6] فجدير بالمؤمنين والمؤمنات عامة ، وبأهل العلم خاصة أن يولوه العناية العظيمة ، وأن يعضوا عليه بالنواجذ ، وأن يجتهدوا في تدبره وتعقله والعمل به ، ومراجعة كلام أهل العلم فيما أشكل ، كما قال الله سبحانه وتعالى : كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ[7] وقال سبحانه : أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[8] ثم سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والعناية بها وحفظ ما تيسر منها ، مع إكثار المذاكرة فيها ، ولا سيما ما يتعلق بالعقيدة ، وما يجب على المكلف فعله ، وما يتعلق بعمل الإنسان الخاص به ، فإنه به ألصق ، وعنايته أوجب ، وقد قال الله سبحانه وتعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ[9] ولا سبيل إلى اتباعه صلى الله عليه وسلم على الكمال إلا بدراسة سنته ، والعناية بها مع العناية بكتاب الله عز وجل.
 وأوصي أهل العلم وطلبته بالعناية بكتب الحديث والإكثار من قراءتها وتدريسها والمذاكرة فيها ، وأهمها الصحيحان ، ثم بقية الكتب الستة ، مع [موطأ الإمام مالك] ، و[مسند الإمام أحمد] ، و[سنن الدارمي] وغيرهما من كتب الحديث المعروفة ، ضاعف الله الأجر لمؤلفيها ، وجزاهم عن المسلمين خير الجزاء. ثم مؤلفات أهل العلم المعروفين بحسن العقيدة ، وسعة العلم بالأدلة الشرعية ، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذاه : العلامة ابن القيم ، والحافظ ابن كثير رحمة ال
له عليهم جميعا. وقد برزوا في ذلك ، ونشروا بين المسلمين العلم الكثير ، وبينوا للناس عقيدة أهل السنة والجماعة بأدلتها من الكتاب والسنة. ومن أهم كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : [منهاج السنة] ، و[مجموع الفتاوى] ، و[مطابقة صريح المعقول لصحيح المنقول] ، و[الجواب الصحيح في الرد على من بدل دين المسيح] ، وغيرها من الكتب المفيدة النافعة والمشتملة على بيان العقيدة الصحيحة والأحكام والرد على خصوم الإسلام. ومن أفضل كتب ابن القيم رحمه الله : [الطرق الحكمية] ، و[أعلام الموقعين] ، و[زاد المعاد] ، فهذه الكتب لها شأن عظيم ، ولا سيما في حق القضاة والمفتين. وهكذا فتاوى أئمة الدعوة : المسماة [الدرر السنية] ، فقد جمعت رسائل كثيرة وأجوبة مفيدة لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، وتلاميذه وأتباعه رحمهم الله جميعا ، وهكذا فتاوى شيخنا العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله ، فقد اشتملت على علم عظيم ، وفوائد جمة. فأوصي بهذه الكتب بعد كتاب الله عز وجل ، وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، لما فيها من العلم العظيم ، والعون على كل خير. وهكذا ما أشبهها من الكتب المفيدة النافعة التي تعتني بالدليل مثل [المغني] ، و[شرح المهذب] ، و[المحلى] وغيرها من الكتب التي تعني بالدليل ونقل أقوال أهل العلم ، فهي من أهم الكتب لأهل العلم وطلبته من القضاة وغيرهم. وأسأل الله بأسمائه الحسنى ، وصفاته العلى أن يوفقنا وجميع المسلمين للعلم النافع ، والعمل الصالح ، وأن يمنحنا جميعا النية الخالصة ، والصبر والفقه في الدين ، والفوز بالعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة ، إنه تعالى جواد كريم ، كما أسأله سبحانه وتعالى أن يوفق ولاة أمرنا وجميع ولاة أمر المسلمين ، ويصلح بطانتهم ، وأن يعينهم على كل خير ، وأن ينصر بهم الحق ، ويخذل بهم الباطل ، وأن يعينهم على تحكيم كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل شيء ، وأن يعيذنا وإياهم وسائر المسلمين من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، إنه سميع قريب ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


[1] - سورة آل عمران الآية 18.
[2] - سورة فاطر الآية 28.
[3] - سورة الإسراء الآية 9.
[4] - سورة النحل الآية 89.
[5] - سورة فصلت الآية 44.
[6] - سورة الأنعام الآية 38.
[7] - سورة ص الآية 29.
[8] - سورة محمد الآية 25.
[9] - سورة آل عمران الآية 31.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

النجوى في إدراك التقوى

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين:
أما بعد فالتقوى مفتاح كل خير في الدنيا والآخرة وعنوان السعادة ، والعبد أحوج ما يكون إلى لزوم التقوى في جميع أحواله ولا يصلح حاله ويتيسر أمره إلا بذلك , والتارك للتقوى متعسر عليه أمره وفاقد للسعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة . وقد أمر الله عباده بالتقوى فقال سبحانه ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) وقد وصى الله بها الأولين والآخرين فقال سبحانه ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ) .
 وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ملازما للتقوى من أخشى العباد لله وأتقاهم له , وكان يسأل الله الثبات على التقوى , وكان يوصى أصحابه بذلك كما قال لأبى ذر : " اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" رواه الترمذي. وقال : " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة " رواه أبو داود والترمذي,
 وبين أن أهل التقوى هم أفضل الناس وأكرمهم عند الله فقد سئل صلى الله عليه وسلم " من أكرم الناس فقال اتقاهم" متفق عليه وقيل : يا رسول الله أي الناس أفضل , فذكر المجاهد ثم قال " مؤمن في شعب من الشعاب يتقى الله ويدع الناس من شره " متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم " إن الله يحب العبد التقى النقي الخفي " رواه مسلم.
 وكان السلف الصالح يتواصون بالتقوى. والتقوى أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وعقابه وقاية تقيه من ذلك , ويكون ذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي , فالتقوى اسم جامع لطاعة الله والعمل بها في ما أمر به أو نهى عنه , فإذا انتهى المؤمن عما نهاه الله وعمل بما أمره الله فقد أطاع الله وأتقاه.
 وقال ابن القيم : التقوى ثلاث مراتب :
 (1) حمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات.
(2) حميتها عن المكروهات .
 (3) الحمية عن الفضول وعما لا يعنى . وقد كان السلف الصالح يتقون بعض المباحات خشية الوقوع في المحرمات , فيجعلون التقوى حائلا منيعا من الوقوع فيما حرم الله , قال الحسن : ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرا من الحلال مخافة الحرام " وفى الحديث " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس" 
وللتقوى ثمرات عظيمة:
(1) تحقق معية الله قال تعالى ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ).
(2) حصول محبة الله قال تعالى ( إن الله يحب المتقين ).
(3) دوام المحبة بين المتقين قال تعالى ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ).
 (4) تيسير الأمور قال تعالى ( ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ).
(5) الانتفاع بالقرآن قال تعالى ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ).
 (6) الفلاح قال تعالى ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ).
(7) الوقاية من الخوف والحزن قال تعالى ( فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ).
 (8) قبول العمل قال تعالى ( إنما يتقبل الله من المتقين ).
(9) مقعد الصدق قال تعالى ( إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر).
 (10) الحفظ من كيد الأعداء , قال تعالى ( وأن تتقوا وتصبروا لا يضركم كيدهم شيئا ).
(11) غفران الذنوب قال تعالى ( من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ).
(12) حصول الرزق قال تعالى ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ).
(13) الفرقان بين الحق والباطل, قال تعالى ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا )
(14) الحفظ من وساوس الشيطان , قال تعالى ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ).
(15) النجاة من النار قال تعالى ( وان منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجى الذين اتقوا ).
(16) دخول الجنة ( تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا ).
 وللتقوى طرق إذا سلكها العبد أوصلته إليها:
 1- أداء الفرائض قال تعالى ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون )
 2- مجاهدة النفس قال تعالى ( والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم )
 3- الدعاء ( واجعلنا للمتقين إماما ) وكان رسول الله يدعو " آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها" رواه مسلم.
 4- إتباع الحق قال تعالى ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)
 5- تلاوة القران ( وكذلك أنزلناه قرانا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ).
وثمة أمور لا تنافى التقوى ولا تمنع الإتصاف بها:
 (1) مقارفة الصغائر مع عدم الإصرار عليها .
(2) الوقوع في الكبائر أحياناً مع التوبة والإقلاع عنها , قال تعالى في وصف المتقين ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ).
 (3) الاستمتاع بالمباحات وملذات الدنيا .
والحاصل أن من لزم الطاعة وغلب عليه امتثال الأوامر واجتناب النواهي وكان ظاهره السلامة من الآثام دخل في عداد أهل التقوى واتصف بها ولو قارف صغيره أو ألم بكبيرة أو توسع في مباح كما دل الشرع على ذلك , ولا يكاد أحد يسلم من هذا حتى الصديقين والصالحين .
 والفرق بين المتقي وغيره أن المتقي وقاف عند حدود الله رجاع للحق إذا حصل منه تقصير سريع الإنابة من الغي إلى الرشد لا يغتر بحلم الله ولا يأمن مكره ، وهكذا كان حال الصحابة ، أما الفاجر فعاكف على شهوته ملازم للغفلة بعيد عن التوبة لا يقيم لحدود الله شأنا ولا يرفع بالموعظة رأسا عبداً للدنيا كأنه مخلداً فيها.
  موانع التقوى :
 1- الجهل .
 2- إتباع الهوى.
 3- حب الدنيا.
 4- طول الأمل.
  وقد أمر الشارع باتقاء أمور عظيمة :
 1- اتقاء النار قال النبي صلى الله عليه وسلم " اتقوا النار ولو بشق تمره"
 2-اتقاء الشبهات قال النبي صلى الله عليه وسلم " فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه"
 3 -اتقاء الرياء قال النبي صلى الله عليه وسلم " أيها الناس اتقوا هذا الشرك فانه اخفي من دبيب النمل" رواه احمد .
 4-اتقاء دعوة المظلوم " قال النبي صلى الله اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة"
 5- اتقاء الشح قال النبي صلى الله عليه وسلم واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم "رواه مسلم
 6- اتقاء الدنيا والنساء قال النبي صلى الله عليه وسلم " فاتقوا الدنيا واتقوا النساء"
 7- اتقاء شر اللسان قال النبي صلى الله عليه وسلم " ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت بلى يا نبي الله فأخذ بلسانه قال : كف عليك هذا" رواه الترمذي.

وليس في قول النبي صلى الله عليه وسلم " التقوى هاهنا وأشار إلى صدره " حجة لمن زعم أن من عرف الله بقلبه كان من أهل التقوى ولو كان مفرطا في الواجبات مسرفا في المحرمات ، إنما المراد أن التقوى أصله في القلب , ومن اتقى قلبه اتقت جوارحه ومن فسدت جوارحه فسد قلبه , فالجوارح تابعة للقلب صلاحا وفسادا ، ومن ادعى التقوى وهو مطلق جوارحه في المعاصي فهو كاذب في دعواه مخالف للشرع مخادع لنفسه والله المستعان .
ومما يعين على تحصيل التقوى :
 أولا : التعرف على الله بأسمائه الحسنى وصفاته وتصور عظمته وإحاطة علمه وعظيم سلطانه وقهره وملكوته , فإذا تصور العبد ذلك أورثه الخشية و الإنابة ولزوم الطاعة.
ثانيا : معرفة عذاب الله وعقابه واثآر سخطه وغضبه ونقمه ومقته والتعرف على تفاصيل ذلك في الكتاب والسنة فإذا تفكر العبد في ذلك أورث عنده مقام المراقبة والمشاهدة والمحاسبة .
ثالثا : التدبر في نعيم أهل التقوى وما أعده الله لهم من المنازل والسرور والحبور والقصور فإذا تدبر العبد ذلك أقبل على الطاعة وعظم عنده الرجاء والطمع في رحمة الله.
 رابعا : النظر في سير المتقين السابقين وصحبة الصالحين وملازمتهم فان العبد إذا لازم أهل التقوى تأثر بهم واهتدى بطريقتهم.
خامسا : حبس النفس على فعل الخيرات ومجاهدتها على ترك السيئات فان النفس إذا قسرت على الخير وفطمت عن الشر شق ذلك عليها أول الأمر ثم ألفته بعد ذلك وصار عادة لها .
سادسا : الفرار من أصحاب السوء وأهل المجون و الابتعاد عن بيئة الفساد وأماكن الفتنة , فان المرء يتأثر غالبا بالشر ويألف المعصية والنفس داعية للعصيان وإتباع الشهوات محبب لها.


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الثلاثاء، 5 مارس 2013

يأجوج ومأجوج ...حقائق وغرائب

 


من هم  يأجوج ومأجوج ؟ وما هي أوصافهم ؟ وهل حقاً أن فيهم أناساً طوالاً كشجر الأرز، وآخرين قصاراً لا يتجاوزون شبر الإنسان العادي ؟ وهل صحيح أن البعض منهم يفترش أذناً ويتغطى بأخرى ؟ ولا يموت الرجل منهم حتى يولد له ألف ذكر كلٌ قد حمل السلاح .
أسئلة ندرك من خلالها حرص الكثير من الناس على استكشاف هذا العالم ومعرفة خفاياه، وربما دفعهم الفضول إلى التزيد في أوصافهم والمبالغة فيها إلى حد الخرافة أو قريباً منها، إلا أن القرآن الكريم والسنة الصحيحة قد أوضحا قصتهم وقدما وصفا تفصيلياً عنهم .
ذكر يأجوج ومأجوج في القرآن
ورد ذكر " يأجوج ومأجوج " في القرآن الكريم في قوله تعالى:{ حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولاً * قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا .. الآيات } ( الكهف: 93 وما بعدها ). وهذه الآيات تبين لنا كيف كان "يأجوج" و"مأجوج" في قديم الزمان أهل فساد وشر وقوة لا يصدّهم شيء عن ظلم من حولهم لقوتهم وجبروتهم، حتى قدم الملك الصالح ذو القرنين، فاشتكى له أهل تلك البلاد ما يلقون من شرهم، وطلبوا منه أن يبني بينهم وبين "يأجوج ومأجوج" سدّاً يحميهم منهم، فأجابهم إلى طلبهم، وأقام سداً منيعاً من قطع الحديد بين جبلين عظيمين، وأذاب النحاس عليه، حتى أصبح أشدّ تماسكاً، فحصرهم بذلك السد واندفع شرهم عن البلاد والعباد .
وقد تضمنت الآيات السابقة إشارة جلية إلى أن بقاء "يأجوج" و"مأجوج" محصورين بالسد إنما هو إلى وقت معلوم { فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء }، وهذا الوقت هو ما أخبر عنه النبي – صلى الله عليه وسلم - في أحاديثه، من أن خروجهم يكون في آخر الزمان قرب قيام الساعة .
كما ورد ذكر "يأجوج" و"مأجوج" أيضاً في موضع آخر من القرآن يبين كثرتهم وسرعة خروجهم وذلك في قوله تعالى: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون }(الأنبياء:96).
ذكر يأجوج ومأجوج في الحديث النبوي
رسمت الأحاديث النبوية ملامح أكثر وضوحاً عن عالم "يأجوج" و"مأجوج" وكشفت عن كثير من نواحي الغموض فيهم . فبنيت أن لديهم نظاماً وقائداً يحتكمون لرأيه، وأن السد الذي حصرهم به ذو القرنين ما زال قائماً، وأنه يمنعهم من تحقيق مطامعهم في غزو الأرض وإفسادها، ولذا فمن حرصهم على هدمه يخرجون كل صباح لحفر هذا السد، حتى إذا قاربوا هدمه أخروا الحفر إلى اليوم التالي، فيأتون إليه وقد أعاده الله أقوى مما كان، فإذا أذن الله بخروجهم حفروا حتى إذا قاربوا على الانتهاء قال لهم أميرهم: ارجعوا إليه غدا فستحفرونه - إن شاء الله - فيرجعون إليه وهو على حاله حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فيشربون مياه الأنهار، ويمرون على بحيرة طبرية فيشربها أولهم، فيأتي آخرهم فيقول: لقد كان هنا ماء !! ويتحصن الناس خوفاً منهم، وعندئذ يزداد غرورهم ويرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها آثار الدم فتنةً من الله وبلاءً، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وغلبنا أهل السماء، فيرسل الله عليهم دوداً يخرج من خلف رؤوسهم فيقتلهم، فيصبحون طعاماً لدواب الأرض حتى تسمن من كثرة لحومهم . كما روى ذلك ابن ماجة في سننه .
وقد دلت الأحاديث على أن الزمان الذي يخرجون فيه يملكون أسباب القوة ويتفوقون فيها على سائر الناس، وذلك إما لكونهم متقدمين عسكرياً ووصلوا إلى تقنيات تمكنهم من إبادة غيرهم والسيطرة على بلادهم، وإما لأن زمن خروجهم يكون بعد زوال هذه الحضارة المادية، ورجوع الناس إلى القتال بالوسائل البدائية والتقليدية، ويؤكد ذلك ما ورد عند ابن
ورد في بعض الروايات من أن المسلمين سيوقدون من أقواس وسهام وتروس "يأجوج ومأجوج" سبع سنين . كما عند ابن ماجة وغيره .
كما بينت الأحاديث بعض صفاتهم الخلْقية وأنهم عراض الوجوه، صغار العيون، شقر الشعور، وجوهم مدورة كالتروس . رواه أحمد .
وبينت أيضاً مدى كفرهم، وعنادهم وأنهم أكثر أهل النار، ففي الحديث أن الله عز وجل يقول لآدم يوم القيامة: أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار ؟ فيقول الله: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، ففزع الصحابة – رضي الله عنهم – وقالوا: يا رسول الله وأينا ذلك الواحد ؟ فقال – عليه الصلاة والسلام-: ( أبشروا فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألفاً ) رواه البخاري .
وبينت الأحاديث كذلك أن خروجهم سيكون في آخر الزمان قرب قيام الساعة، وفي وقت يغلب على أهله الشر والفساد، قال - صلى الله عليه وسلم -: ( لن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات؛ طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، وخروج يأجوج ومأجوج .. ) رواه أبو داود .
وعندما دخل – صلى الله عليه وسلم – على زوجته زينب بنت جحش - رضي الله عنها – فزعاً وهو يقول: ( لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من سدِّ "يأجوج ومأجوج" مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت له زينب: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم إذا كثر الخبث ) رواه البخاري .
أما ترتيب خروجهم ضمن أشراط الساعة الكبرى فقد دلت الأحاديث على أن الدجال عندما يخرج، ينزل المسيح عليه السلام بعده، ثم يخرج يأجوج ومأجوج، فيأمر الله عيسى - عليه السلام - ألا يقاتلهم، بل يتوجه بمن معه من المؤمنين إلى جبل الطور، فيحصرون هناك، ويبلغ بهم الجوع مبلغا عظيماً، فيدعون الله حينئذ أن يدفع عنهم شرهم فيرسل الله عليهم الدود في رقابهم فيصبحون قتلى كموت نفس واحدة، وتمتلئ الأرض من نتن ريحهم، فيرسل الله طيراً كأعناق الإبل فتحملهم وتطرحهم حيث شاء الله . ويأمن الناس وتخرج الأرض بركتها وثمرتها،  حتى تأكل الجماعة من الناس الرمانة الواحدة، ويكفي أهل القرية ما يحلبونه من الناقة في المرة الواحدة .
ويحج المسلمون إلى البيت بعد هلاكهم، كما في الحديث : ( ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج ) رواه البخاري .
الأحاديث الضعيفة والموضوعة في يأجوج ومأجوج
بعد أن اتضحت بعض الملامح عن عالم "يأجوج" و"مأجوج" من خلال الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة، لعل من المناسب ذكر بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة في وصفهم، والتي ساهمت في إضفاء نوع من الهالة والغموض حولهم، فمن تلك الأحاديث:
حديث ( يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعة آلاف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح ) رواه الطبراني و ابن عدي في الكامل وقال: "هذا حديث منكر موضوع".
ومنها ( إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنهم لو أرسلوا إلى الناس لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد إلا ترك من ذريته ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم ثلاث أمم تاويل وتاريس ومنسك ) رواه الطيالسي وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية : "حديث غريب جداً وإسناده ضعيف وفيه نكارة شديدة ".
ومنها أن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن "يأجوج" و"مأجوج" فقال له: ( يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل حتى ينظر إلى ألف ذكر بين يديه من صلبه، كل قد حمل السلاح ) قلت: يا رسول الله: صفهم لنا ؟ قال: ( هم ثلاثة أصناف: فصنف منهم أمثال الأرز . قلت: وما الأرز ؟ قال: شجر بالشام طول الشجرة عشرون ومائة ذراع في السماء، هؤلاء الذين لا يقوم لهم خيل ولا حديد، وصنف منهم يفترش بأذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا جمل ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، مقدمتهم بالشام، وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق وبحيرة طبرية ) قال الهيتمي : رواه الطبراني في الأوسط، وفيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف، وحكم عليه ابن عدي في الكامل بالوضع والنكارة .
 كانت تلك معلومات مختصرة عن عالم " يأجوج ومأجوج" عرفنا من خلالها مبلغ الخوف الذي يصيب الناس بسبب خروج هذا الجيش الجرار، ويمتنعون معه من أداء الحج والعمرة، حتى يرفع الله هذه الغمة، ويهلك يأجوج ومأجوج، ويعيش المسلمون بعد هلاكهم في رخاء ونعمة وأمن، ويرسل الله ريحاً تأخذ نفوس المؤمنين، ويبقى في الأرض شرارها، وعليهم تقوم الساعة .

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

وجاءت سكرة الموت بالحق

 


زفراتٌ تخرج، وحشرجاتٌ تتوالى، وأنفاسٌ تضطرب، وانتزاعٌ للروح، وآلامٌ تنوء بها الجبال، وتتلاشى عندها كلّ لذّة، وتُنسى معها ساعات الفرح، وتهون أمامها عذابات الدنيا وأنكادها، ورزاياها ومصائبُها، هي الخطب الأفظع، والأمر الأشنع، والكأس التي طعمها أكره وأبشع، هي بابٌ وكل الناس داخله، وشرابٌ علقميّ المذاق وكل امريء سيعاقره، إنه الحديث عن سكرات الموت، ووقوفٌ على معانيها وأدلتها، وأوصافها وأحوالها.

وقد سمّى الله في كتابه هذه الشدّة التي تلاقيها النفس عند انتزاع الروح بالسكرات، وهي جمع سَكْرة، والسّكرُ في الأصل كما يقول الإمام
الأصفهاني: حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل في الشراب المسكر،يقولون: ذهب بين الصحوة والسكرة، والمعنى أنه بين أن يعقل وألا يعقل، وهي تُطلق كذلك للتعبير عن شدّة الغضب والعشق والنعاس والألم، ومن الإطلاق الأخير جاء التعبير عن شدّة الموت بالسكرات، فسكرة الموت: غشيته التي يُستدلّ بها على حلول الموت، بما فيه من الشدائد والأهوال الناتجة عن نزع الروح.

ومن المعاني المقاربة للمعنى السابق لفظ الغمرات، وهو تعبيرٌ آخر عن سكرات الموت، مفرده: غمْرة بفتح الغين، وهي الشدة، يُقال: كشفت الحرب عن غمارها: أي استبانت شدائدها، جاء في تفسير الجامع:"الغمرات جمع غمرة، وغمرة كل شيء: كثرته ومعظمه، وأصله الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها".


وتأسيساً على ما تقدّم، فإن غمرات الموت يُقصد بها الشدة المفظعة التي تغمر المحتضر وتعلوه وتستغرقه، وتغطّي عقله وتذهله.


ولا تزال آيات الله تقرع الآذان المرّة تلو المرّة كي توقظ الضمائر الغافلة فتذكّرها بهذه الحقيقة الغائبة، وتصف لهم شدّتها، وتدعوهم إلى الاستعداد لها قبل فوات الأوان، قال تعالى:
{ وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} (ق:18)، والمقصود غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، وعندئذٍ يتضح الحق، وهو ما جاءت به الرسل من أخبار الآخرة، فينكشف الغطاء وتبدأ المعاينة لأحوال الغيب.

يقول شيخ الإسلام
ابن تيمية عن معنى الآية: "جاءت بما بعد الموت من ثواب وعقاب، وهو الحق الذي أخبرت به الرسل، ليس مراده أنها جاءت بالحق الذي هو الموت؛ فإن هذا مشهور لم ينازع فيه، ولم يقل أحد: إن الموت باطل حتى يقال جاءت بالحق".

وفي قوله تعالى:
{كل نفس ذائقة الموت}(آل عمران:185) دلالةٌ على أن كل المخلوقات لها مَوَتان، وأنه تعاني سكرات الموت مع اختلافٍ في درجة الإحساس بالسكرات بين مخلوقٍ وآخر كما ذكر ذلك العلماء.

ونجد في سورة الأنعام قوله تعالى:
{ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} (الأنعام:93)، وهذا وصفٌ تفصيلي للحظات انتزاع أرواح الكافرين وبيان شدّة ما يلاقونه من شدائد وأهوالٍ فظيعة، وكروب شنيعة، في حالةٍ يعجز اللسان عن وصفها وبيانها، ويكفيهم ما يرونه من شدّة الملائكة وما يستقبلونهم به من العذاب، ويوبّخونهم به من التقريع، وهي حالة لا يقدر الواصف أن يصفها، أقلّ ما يُقال فيها: " تغشاهم سكرات الموت، وينزل بهم أمر الله، ويحين فناء آجالهم، والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم، كما قال جل ثناؤه: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم* ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه} ( محمد: 27، 28)".

وقد ضرب الله للناس المثل بحال المحتضر ، وذلك في قوله تعالى: { أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} (الأحزاب:19)، فالآية جاءت لتصف بدقّةٍ حال المنافقين الذين يعرقلون الناس عن نصرة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ويمنعونهم عن ذلك بأقوالهم وأفعالهم، كيف يكون موقفهم من نداءات الجهاد؟ عندها ترى في أعينهم نظر الخائف المذعور الذي يحدق بعينيه إلى الجهات المختلفة يحذر أن تأتيه المصائب من إحداها، وهذه النظرات الزائغة غير المستقرّة تشبه كثيراً حال المحتضر الذي يعاني سكرة الموت، ونظير ذلك قوله تعالى: { فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت} (محمد:20)، ووجه الشبه بيان شدّة ما يلاقيه من يؤمرون بالجهاد مع المسلمين، فتراهم من شدّة الجبن، الذي خلع قلوبهم، والقلق الذي أذهلهم ينظرون إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- نظر المغشي عليه، الذي يعالج انتزاع الروح.

يقول شيخ الإسلام
ابن تيمية: "من شدة الرعب الذي في قلوبهم يشبهون المغمى عليه وقت النـزع؛ فإنه يخاف ويذهل عقله، ويشخص بصره، ولا يطرف، فكذلك هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل".

ونعرج إلى موضعين من القرآن الكريم جاء فيهما وصف لحظة خروج الروح ، يقول الله سبحانه وتعالى:
{فلولا إذا بلغت الحلقوم*وأنتم حينئذ تنظرون*ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون*فلولا إن كنتم غير مدينين*ترجعونها إن كنتم صادقين} (الواقعة:83-87)، ففي هذه اللحظات التي يكابد فيها المرء سكرات الموت، تخرج روحه من حلقه، وتتلقّفها الملائكة الذين لا نراهم، ولن يستطيع أولئك الذين ينكرون يوم البعث والجزاء ولا غيرهم أن يردّوا النفس إلى الجسد مهما تقدّمت علومهم، فإن ذلك محال، وبنحو هذا المعنى جاء قوله تعالى: {كلا إذا بلغت التراقي*وقيل من راق*وظن أنه الفراق} (القيامة:26-30).

وفي سورة النازعات وردت أوصافٌ تتعلّق بالملائكة الذين أوكلوا بهذه السكرات، قال تعالى:{والنازعات غرقا*والناشطات نشطا } (النازعات:1-2)، فالنزع الشديد لأرواح الكافرين، والأخذ اللين لأرواح المؤمنين واستلالها برفق وسهولة.

وفي قوله تعالى:{ وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون*ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين} (الأنعام:61-62)، وقوله سبحانه:{ قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون} السجدة:11)، بيانٌ أن ملك الموت موكلٌ من خالقه تبارك وتعالى بمهمّة قبض الأرواح واستلالها من الأجسام وإخراجها منها، يساعده في ذلك عددٌ آخر من الملائكة.

وإذا انتقلنا إلى السنّة فإننا نجد فيها الوصف الشامل من النبي –صلى الله عليه وسلم- لشدّة السكرات، خصوصاً إذا كانت من الكافر، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، فتفرّق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض) رواه أحمد، والسفود هو حديدة ذات شعب وأطراف ملتوية تُستخدم عند شواء اللحم، والمقصود أن انتزاع تلك الروح شديد كحال انتزاع الحديد ذي الشعب الكثيرة من الصوف المبلول، فيستصحب عند الجذب شيء من ذلك الصوف مع قوة وشدة، بخلاف خروج روح المؤمن من جسده والذي يشبه في سهولته ولطفه رشح الماء وسيلانه من القربة المملوءة ماء، والمرجع في إثبات هذه السهولة قوله عليه الصلاة والسلام في ذات الحديث: (فتخرج –أي روحه- تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء) أي فم القربة.

ولعل من المناسب هنا بيان مسألة الشدّة في سكرات الموت وعلاقتها بالإيمان والكفر من خلال الأحاديث الواردة حتى لا يُفهم منها التعارض، فبمقتضى الحديث السابق فإن الأصل في احتضار الكافر الشدّة، والأصل في احتضار المؤمن السهولة واليسر، ويُستثنى من هذا الأصل أن تحصل الشدّة في انتزاع الروح للمؤمن تكفيراً لسيئاته، وتعظيماً لدرجاته، وإعلاءً لمكانته.


ويشهد للاستثناء المذكور آنفاً قول
زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إذا بقي على المؤمن من ذنوبه شيء لم يبلغه بعمله، شُدد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وشدائده درجته من الجنة"، وروي بهذا المعنى حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (الموت كفارة لكل مسلم) رواه البيهقي في شعب الإيمان، والحديث على الرغم من عدم ثبوته من ناحية الصنعة الحديثيّة إلا أن عمومات الأدلّة تبيّن أثر البلاء في تكفير السيئات التي يرتكبها المؤمن، كقوله –صلى الله عليه وسلم-(ما من مسلم يصيبه أذى، شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها) متفق عليه واللفظ للبخاري، وقوله عليه الصلاة والسلام: (من يرد الله به خيرا يصب منه) رواه أحمد.

وفي ضوء التقرير السابق يمكننا فهم ما قاساه الأنبياء من شدّة هذه السكرات، ولنا في رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عبرة، فإنه وإن كان سيد الخلق وحامل لواء الحمد وصاحب الحوض والشفاعة، وأقرب من دنا إلى الرب تبارك وتعالى حسّاً ومعنى، إلا أنه ذاق من ذات الكأس المريرة، تروي لنا
عائشة رضي الله عنها تلك اللحظات فتقول"إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان بين يديه ركوة – أي علبة فيها ماء-فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، ويقول: (لا إله إلا الله، إن للموت سكرات) رواه البخاري.


وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: لما وجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال لها عليه الصلاة والسلام:
(لا كرب على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدا، الموافاة يوم القيامة) رواه ابن ماجة.

ويبيّن الإمام الطحاوي أن للتشديد الموت على الأنبياء فائدتان:

إحداهما: تكميل فضائلهم ورفع درجاتهم، وليس من باب العذاب والمجازاة، واستدلّ بالحديث الصحيح القائل:
(أشد الناس بلاء في الدنيا الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل) رواه البزار بهذا اللفظ وأصله في السنن، فالشاهد أن الله سبحانه وتعالى أحب أن يبتليهم لكمال رفعتهم، مع رضاهم بجميل ما يجزي الله عليهم، فأراد الحق سبحانه أن يختم لهم بهذه الشدائد، مع إمكان التخفيف والتهوين عليهم، ليرفع منازلهم، ويعظم أجورهم قبل موتهم.

الثانية: أن يعرف الخلق أن ألم الموت وشدّته حاصلةٌ ولو لم تظهر على العصاة والمذنبين المستحقّين لها، فإن بعض الكفرة أو العصاة قد يموتون فلا يُرى عليهم أثر النزع، ويظنّ الظانّ سهولة أمر الموت، فكان من الحكمة الإلهيّة تقدير شيء من هذه الشدّة على بعض أنبيائه، ليكون إخبارهم عنها مع كرامتهم على الله تعالى دليلاً قاطعاً على هذه السكرات لإخبار الصادقين عنه، وبياناً أن ألم الموت قد لا يكون ظاهراً للعيان، وخفاؤه لا يعني بالضرورة انتفاؤه.

وتدلّ الأحاديث أن الغلمان والصبيان يعانون شيئاً من سكرة الموت ولو كان بصورة أخفّ، يدلّ عليه أن ابنة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرسلت إليه أن ابنها في لحظاته الأخيرة فتحب أن يأتيه،فلما جاء عليه الصلاة والسلام رُفع إليه الصبي ونفسه تقعقع في صدره وتصدر صوتاً يدلّ على النزع، حتى فاضت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، رواه ابن حبان.

أما أسعد الناس في الموت فهم الشهداء عند ربّهم، فقد ثبت في السنة عن
أبي هريرة رضي الله عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما يجد الشهيد مس القتل، إلا كما يجد أحدكم من القرصة) رواه أصحاب السنن غير أبي داوود .

وقد جاء في تراجم الصالحين وصفٌ لشدّة الموت، قال
عبدالله بن عمرو بن العاص: كان أبي كثيراً ما يقول: إني لأعجب من الرجل الذي ينزل به الموت ومعه عقله ولسانه، فكيف لا يصفه؟. ثم نزل به الموت ومعه عقله ولسانه، فقلت: يا أبت، قد كنت تقول: إني لأعجب من رجل ينزل به الموت ومعه عقله ولسانه كيف لا يصفه؟، فقال: يا بني، الموت أعظم من أن يوصف، ولكن سأصف لك منه شيئاً، والله كأن على كتفي جبل رضوى، وكأن روحي تخرج من ثقب إبرة، وكأن في جوفي شوكة عوسج –نباتٌ كثير الشوك-، وكأن السماء أطبقت على الأرض، وأنا بينهما"

وقال
كعب الأحبار: "إن الموت كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل، وأخذت كل شوكة بعرق، ثم جذبه رجل شديد الجذب، فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى".

وعندما حضرت
أبا بكر - رضي الله عنه - الوفاة، أنشدت عائشة رضي الله عنها :


                لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى 

               إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر

فقال لها أبو بكر رضي الله عنه: "لا تقولي ذلك، ولكنه كما قال الله عز وجل: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} (ق:18).

وعن شداد بن أوس -رضي الله عنه- قال: "الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمنين، والموت أشد من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، وغلي في القدور، ولو أن الميت نُشر، فأخبر أهل الدنيا بألم الموت، ما انتفعوا بعيش، ولا لذّوا بنوم".

وقال
عمر بن صبيح السعيدي: "رأيت عبد العزيز بن سليمان العابد في منامي بعد موته، وعليه ثياب خضر، وعلى رأسه إكليل من لؤلؤ، فقلت له: يا أبا محمد، كيف كنت بعدنا؟ وكيف وجدت طعم الموت؟ وكيف وجدت الأمر هناك؟ فقال: أما الموت فلا تسأل عن شدة كربه وغمه، ولكن رحمة الله تعالى سترت منا كل عيب، وما نلتها إلا بفضله".

وأخيراً: فإن العاقل من استعدّ لهذه اللحظة المفزعة، وقدّم من الأعمال ما يخفّف عنه شدّة النزع، ولم يغترّ بالدنيا ويلتهي بها:


ماذا تؤمل والأيام ذاهبة ومن ورائك للآمال قطاع


وصيحة لهجوم الموت منكرة صمت لوقعتها الشنعاء أسماع


وغصة بكؤوس أنت شاربها لها بقلبك آلام وأوجاع


يا غافلا وهو مطلوب ومتبع أتاك سيل من الفرسان دفاع


خذها إليك طعانا فيك نافذة تعدي الجليس وأمر ليس يسطاع


إن المنية لو تلقى على جبل لأصبح الصخر منه وهو مياع

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

صور من حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم

 

من سعادة العبد أن يرزقه الله محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فإن محبته ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أصل من أصول الدين، ولا إيمان لمن لم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، قال الله تعالى: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }(التوبة:24)، وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) رواه البخاري .
قال ابن تيمية: " إن قيام المدحة والثناء عليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله وسقوط ذلك سقوط الدين كله ".


ومحبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحقيقية ليست مجرد كلمات يرددها اللسان، أو دروس وخطب يتلوها الوعاظ والخطباء، ولا يكفي فيها الادعاء فحسب، بل لا بد أن تكون محبته ـ عليه الصلاة والسلام ـ حياة تُعاش، ومنهجاً يتبع، وصدق الله إذ يقول:
( ‏قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ }(آل عمران:31) .
وقد تغير مفهوم محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وانحرف عند البعض, فبعد أن كانت هذه المحبة ـ عند الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ تعني إيثار الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على كل شيء, وطاعته واتباعه في كل أمر, صار مفهومها عندهم تأليف الصلوات المبتدعة, وعمل الموالد, وإنشاد القصائد والمدائح, وبعد أن كان تعظيم وحب الرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بتوقيره والأدب معه, صار التعظيم عندهم هو الغلو فيه بإخراجه عن حد البشرية, ورفعه إلى مرتبة الألوهية، وكل ذلك من الوهم والانحراف الذي طرأ على معنى المحبة ومفهومها .

وقد ترجم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ حب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ترجمة عملية، فبذلوا أرواحهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله، وطاعة وحبا لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وعبر عن ذلك
سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه ـ حين قال للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما ذكر ابن هشام وغيره في السيرة النبوية: " يا رسول الله، هذه أموالنا بين يديك، خذ منها ما شئت ودع منها ما شئت، وما أخذته منها كان أحب إلينا مما تركته، لو استعرضت بنا البحر لخضناه معك ما تخلف منا أحد، إنا والله لَصبرٌ في الحرب صدق عند اللقاء، فامض بنا يا رسول الله حيث أمرك الله " .
فكان لسان حالهم ومقالهم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
               هو المُقَّدم في نفسي على نفسي        

       وأهل بيتـي وأحبابـي وخِلانـي

وقد سُئِل علي ـ رضي الله عنه ـ كيف كان حبكم لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟، قال: " كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ ".
وهذه بعض صور من حُبِّ الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :

في غزوة أحد :

ظهرت صور كثيرة من حب الصحابة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصورة عملية، وذلك حينما حاصر المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه، وخلال هذا الموقف العصيب سارع المسلمون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -- وأقاموا حوله سياجاً بأجسادهم وسلاحهم، وبالغوا في الدفاع عنه، فقام أبو طلحة يسور نفسه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويرفع صدره ليقيه من سهام العدو، ويقول: " نحري دون نحرك يا رسول الله " .
وأبو دجانة
يحمي ظهر رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - والسهام تقع عليه ولا يتحرك .
ومالك بن سنان
 يمتص الدم من وجنته ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى أنقاه .
وعرضت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -- صخرة من الجبل فنهض إليها ليعلوها فلم يستطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض عليه، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( أوجب طلحة ) أي الجنة.


وفي صلح الحديبية :

لمّا قدِم عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ مفاوضا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من طرف قريش وحلفائها، قال واصفا ما رآه من حب الصحابة وتعظيمهم للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إنْ رأيت ملكا قَطْ يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له " رواه البخاري .


أبو بكر :

استأذن أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الهجرة، فقال له:
( لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحباً )، فلما أذن الله ـ عز وجل ـ لنبيه بالهجرة قدم على أبي بكر يخبره بالأمر فقال له أبو بكر: " الصحبة يا رسول الله ". فقال له: ( الصحبة )، تقول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: ( فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ ) رواه البخاري .
وفي طريق الهجرة كما ذكر ابن القيم في زاد الميعاد، والبيهقي في الدلائل: " أن أبا بكر ليلة انطلق مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الغار، كان يمشي بين يديه ساعة، ومن خلفه ساعة، فسأله، فقال: أذكر الطلب (ما يأتي من الخلف) فأمشي خلفك، وأذكر الرصد (المترصد في الطريق) فأمشي أمامك، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
( لو كان شيء أحْبَبْتَ أن تُقتل دوني؟ )، قال: أي والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار قال: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فاستبرأه " .
وعن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ قال:
( ابتاع أبو بكر من عازب رحلا فحملته معه، قال: فسأله عازب عن مسير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال أخذ علينا بالرصد فخرجنا ليلا فأحيينا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة ثم رفعت لنا صخرة فأتيناها ولها شيء من ظل، قال: ففرشت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فروة معي ثم اضطجع عليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم  ـ، فانطلقت أنفض ما حوله، فإذا أنا براع قد أقبل في غنيمة يريد من الصخرة مثل الذي أردنا، فسألته: لمن أنت يا غلام؟، فقال: أنا لفلان، فقلت له: هل في غنمك من لبن؟، قال: نعم، قلت: له: هل أنت حالب؟، قال: نعم، فأخذ شاة من غنمه، فقلت له: انفض الضرع، قال: فحلب كثبة من لبن ومعي إداوة من ماء عليها خرقة قد روأتها لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى رضيت، ثم ارتحلنا والطلب في إثرنا ) رواه البخاري .

ثوبان :

قال الله تعالى:
{ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا }(النساء: 69)، قال البغوي في تفسيره: "نزلت في ثوبان مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكان شديد الحب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغيَّر لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له الرسول ـ صلى الله عليه وسلم  ـ: ( ما غيَّر لونك؟ )، فقال: يا رسول الله، ما بي مرض ولا وجع، غير أنّي إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أني لا أراك، لأنك تُرفَع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية ".

النساء:

امرأة من بني دينار في غزوة أحد، أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, فلما نعوهم لها قالت: " ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ، قالوا: خيراً يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل ـ أي صغيرة ـ " .


الشباب :

قال عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ :
( بينما أنا واقف في الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟، قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟، قال:أُخبِرْت أنه يسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده، حتى يموت الأعجل منا، قال: فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال مثلها. قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، قال: فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟، فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح . والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء ) رواه البخاري .

لقد كان الدافع من حرص الأنصاريين الشابين على قتل أبي جهل هو حبهما لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونصرتهما له، وذلك لما علماه من أن أبا جهل كان يؤذي ويسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهكذا بلغت محبة شباب الأنصار لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بذل النفس في سبيل الانتقام ممن تعرض للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأذى .

هكذا ترجم الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ كبارا وصغارا، رجالا ونساء، محبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، حباً قدموه فيه على أنفسهم وأهليهم وأموالهم والناس أجمعين، فأين نحن من ذلك؟!

 
                      قُولُوا مَعِي فَخْرَاً لأَعْظَمِ مُرْسَلٍ بِالشَّرِّ نَدَّدْ
                          إِنَّا نُحِبُّكَ يَا رَسُولَ الله حُبَّاً لا يُبَدَّدْ
                      فَلْتَشْهَدِي يَا أَرْضُ هَذَا وَالسَّمَا وَالكَوْنُ يَشْهَدْ

إن محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الصادقة حياة من حُرمها، فهو من جملة الأموات، يقول ابن القَيّم: " والمقصود أنه بحسب متابعة الرسول تكون العزة والكفاية والنصرة، كما أنه بحسب متابعته تكون الهداية والفلاح والنجاة، فالله ـ سبحانه - علَّق سعادة الدارين بمتابعته، وجعل شقاوة الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمن والفلاح، والعزة والكفاية واللذة، والولاية والتأييد، وطيب العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذلة والصغار، والخوف والضلال، والخذلان والشقاء في الدنيا والآخرة ".
 

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad